ابن الجوزي
93
صيد الخاطر
يستحسن كلامي ، فأمالني اليه فمال الطبع . ففقدت تلك الحلاوة ، ثم استمالني آخر ، فكنت أتقي مخالطته ومطاعمه ، لخوف الشبهات ، وكانت حالي قريبة ، ثم جاء التأويل فانبسطت فيما يباح ، فعدم ما كنت أجد ، وصارت المخالطة توجب ظلمة القلب إلى أن عدم النور كله ، فكان حنيني إلى ما ضاع مني يوجب انزعاج أهل المجلس ، فيتوبون ويصلحون . وأخرج مفلسا فيما بيني وبين حالي . وكثر ضجيجي من مرضي ، وعجزت عن طب نفسي ، فلجأت إلى قبور الصالحين « 1 » ، وتوسلت في صلاحي فاجتذبني لطف مولاي بي إلى الخلوة على كراهة مني ، وردّ قلبي عليّ بعد نفوره مني ، وأراني عيب ما كنت أؤثره ، فأفقت من مرض غفلتي ! وقلت في مناجاة خلوتي : سيدي كيف أقدر على شكرك ؟ وبأي لسان أنطق بمدحك ؟ إذ لم تؤاخذني على غفلتي ، ونبهتني من رقدتي ، وأصلحت حالي على كره من طبعي ، فما أربحني فيما سلب مني إذ كانت ثمرته اللجأ إليك ، وما أوفر جمعي إذ ثمرته اقبالي على الخلوة بك ، وما أغناني إذ أفقرتني إليك ، وما آنسني إذ أوحشتني من خلقك ، آه على زمان ضاع في غير خدمتك ! أسفا لوقت مضى في غير طاعتك ! قد كنت إذا انتبهت وقت الفجر لا يؤلمني نومي طول الليل ، وإذا انسلخ عني النهار لا يوجعني ضياع ذلك اليوم ، وما علمت أن عدم الاحساس لقوة المرض . فالآن قد هبت نسائم العافية ، فأحسست بالألم فاستدللت على الصحة . فيا عظيم الأنعام تمم لي العافية ، آه من سكر لم يعلم قدر عربدته الا في وقت الإفاقة ؟ لقد فتقت ما يصعب رتقه . فوا أسفا على بضاعة ضاعت ، وعلى ملّاح تعب في موج الشمال مصاعدا مدة ثم غلبه النوم فرد إلى مكانه الأول . يا من يقرأ تحذيري من التخليط . فاني وان كنت خنت نفسي بالفعل ، نصيح لاخواني بالقول ، احذروا اخواني من الترخص فيما لا يؤمن فساده ، فان الشيطان يزين المباح في أول مرتبة . ثم يجر إلى الجناح . فتلمحوا المآل وافهموا الحال ، وربما أراكم الغاية الصالحة ، وكان في الطريق إليها نوع مخالفة ، فيكفي الاعتبار في تلك الحال بأبيكم « هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى » ؟ انما تأمل آدم الغاية وهي الخلد . ولكنه غلط في الطريق .
--> ( 1 ) أي لزيارتها الزيارة المشروعة والاعتبار بها .